الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
157
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين . في الحقيقة إن المسلمين يستطيعون - انطلاقا من المفهوم الواسع لقوله : قياما للناس - أن يصلحوا كل أمورهم بالركون إلى هذا البيت وفي إطار تعاليم الحج البناءة . ولما كانت هذه المناسك يجب أن تجري في جو آمن وخال من الحروب والمنازعات والمخاصمات ، فقد أشارت الآية إلى أثر الأشهر الحرم ( وهي الأشهر التي تمنع فيها الحرب مطلقا ) وقالت : والشهر الحرام ( 1 ) كما أشارت إلى الأضاحي الفاقدة للعلامة ( الهدي ) والأضاحي ذات العلامة ( القلائد ) التي منها يطعم الناس في موسم الحج ، وتؤمن جانبا من احتياجات الحاج للقيام بمناسكه ، فقالت : والهدي والقلائد . ولما كان مجموع هذه الأحكام والقوانين والتشريعات بشأن الصيد ، وكذلك بشأن حرم مكة والشهر الحرام وغير ذلك ، يحكي عمق تدبير الشارع وسعة علمه تقول الآية : ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شئ عليم . بناءا على ما مر بنا في تفسير هذه الآية يتضح الارتباط بين بدايتها ونهايتها ، إذ أن هذه الأحكام التشريعية لا يستطيع أن ينظمها إلا من كان عليما بأعماق القوانين التكوينية ، فالذي لا علم له بدقائق شؤون السماء والأرض وبما استقر في روح الإنسان وجسمه عند خلقه ، لا تكون له القدرة على تقرير أحكام كهذه ، فالقانون الصحيح السليم هو ذاك الذي ينسجم مع قانون الخلق والفطرة . الآية التالية تؤكد تلك التشريعات ، وتحث الناس على إتباعها وتهدد المخالفين والعاصين فتقول : إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم . ولعل تقديم شديد العقاب على غفور رحيم إشارة إلى أن عقاب الله الشديد يمكن إطفاؤه بماء التوبة والدخول في رحمة الله وغفرانه .
--> 1 - مر ذكر الأشهر الحرم في تفسير الآية ( 194 ) من سورة البقرة ، ارجع إلى المجلد الثاني من هذا التفسير .